الشيخ محمد رشيد رضا
141
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الخلق حتى الملائكة في الملا الاعلى لا في الدنيا فقط ، لان الوجه يعبر به عن الذات وفسروا وجه اللّه بذاته وان كان في أصل اللغة ما يواجه به الشخص غيره وفيه معارفه أي ما يعرف به ويمتاز عن غيره . ومعنى الجملة أنه تعالى لو كشف عن وجهه حجاب النور المخلوق الذي هو منتهى ما يصل اليه أكمل البشر عند ارتقائهم إلى أعلى درجات المعرفة والعلم به عز وجل ، وتجلى سبحانه للخلق كافة بدون هذا النور الذي يججبهم عنه ، لأحرقت سبحانه ما انتهى اليه بصره منهم ، أي لاحرقتهم كلهم فان بصره تعالى محيط بكل موجود في العالم كله من سمائه وأرضه ، وهو ضرب مثل خلاصته أن آخر ما يصل اليه العلم هو اكتشاف الحجاب الأخير الذي هو الفاصل بين المخلوق والخالق وهو النور الذي هو مبدأ التكوين ، ومصدر التطوّر والتلوين قال اللّه تعالى ( ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ؟ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ) وخلق الناس وكذا سائر المخلوقات أطوارا قد فصل في علوم سنن اللّه في التكوين ، ففي خلق لانسان من ذكر وأنثى أطوارا ، وفي خلقه قبل ذلك من سلالة من طين أطوار ، وفي التكوين الأول للأرض التي خلق منها أطوار ، وهي بعد المادة التي خلق منها السماوات والأرض المشار إليها بقوله ( أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) وقوله ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) الخ والظاهر أن هذه المادة المعبر عنها أو المشبهة بالدخان في هذه الآية هي المشبهة بالغمام المشابه للدخان في قوله تعالى ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ) فهذا كلام عن إعادة الخلق يوم القيامة وهي النشأة الأخرى ، وذاك كلام في بدئه وهي النشأة الأولى ، وقد قال تعالى ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ) وقال ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) إذا تذكرت هذا فاعلم أن كل ما يشغل الانسان عن معرفة اللّه تعالى ومراقبته من أطوار الخلق وشؤونه فهو حجاب له عنه فالحجب بين العبد والرب كثيرة وطوبى لمن آمن وعرف أن له ربا وأن هذه المخلوقات حجب دونه ، وانه فوقها بائن منها لا تشبهه ولا يشبهها ، فإنها حينئذ قد تكون من وسائل معرفته وشكره ومحبته ، ولا تكون حجبا الا دون ادراك كنهه وحقيقته ؛ وان من الناس من